تنظيم استثنائي… وعقليات لم تواكب الحدث.

تنظيم استثنائي… وعقليات لم تواكب الحدث.
لم يكن تنظيم المغرب لبطولة كأس الأمم الإفريقية مجرد احتضان لعرس كروي قاري، بل كان رسالة واضحة للعالم مفادها أن إفريقيا قادرة على الإبداع حين تتوفر الرؤية والإرادة. ملاعب بمعايير عالمية، بنية تحتية حديثة، فنادق من فئة خمسة نجوم، شبكات نقل متطورة، وتغطية إعلامية احترافية… كل ذلك جعل من النسخة المغربية نموذجًا يُحتذى به في التنظيم والاستقبال.
المغرب رفع سقف التحدي عاليًا، واختار أن يقدّم بطولة لا تقل في تفاصيلها عن كبريات التظاهرات العالمية، واضعًا نصب عينيه تغيير الصورة النمطية عن الكرة الإفريقية، والانتقال بها من منطق الاجتهاد المحدود إلى منطق الاحتراف الكامل.
لكن، ورغم هذا المجهود الجبار، يظل المؤسف أن بعض الممارسات والسلوكيات الصادرة عن أطراف إفريقية ما تزال أسيرة عقليات متجاوزة؛ عقليات ترفض التطور، وتصر على جرّ الكرة الإفريقية إلى الخلف بدل مواكبة العصر. قرارات مرتجلة، احتجاجات غير مبررة، تشكيك في التنظيم، وسلوكات لا تليق بحجم الحدث ولا بقيمة القارة.
الإشكال لم يعد في الإمكانيات ولا في البنية التحتية، فقد أثبت المغرب – ومعه دول إفريقية طموحة – أن القدرة موجودة. الإشكال الحقيقي يكمن في الذهنيات، في عقلية لم تتحرر بعد من رواسب “العالم الثالث”، حيث تغيب المهنية، ويُقدَّم التبرير على المحاسبة، والعاطفة على المنطق.
كأس إفريقيا في المغرب كشفت الحقيقة بوضوح: إفريقيا تملك كل المقومات لتكون في الصف الأول، لكن الطريق إلى ذلك يمر حتمًا عبر تغيير العقليات قبل تغيير الملاعب. فالتنظيم وحده لا يكفي، ما لم يُرافقه وعي جماعي بأن كرة القدم اليوم صناعة، أخلاق، ومسؤولية… قبل أن تكون مجرد مباراة تُلعب فوق المستطيل الأخضر.








